الذكاء الاصطناعي في مجال طب الأنف والأذن والحنجرة
ألكسندرا بفيتزمان ·
أصبحت الذكاء الاصطناعي (AI) أحد أكثر مجالات الابتكار ديناميكية في الطب. فهي تساعد الأطباء على التعرف على الأنماط في كميات هائلة من البيانات، وتحديد التشخيصات بدقة أكبر، وتخطيط العلاجات بشكل أكثر تخصيصًا، وجعل العمليات الجراحية أكثر أمانًا. من الأشعة إلى طب الأورام وصولاً إلى الجراحة، يغير الذكاء الاصطناعي طريقة فهم الأمراض وعلاجها – غالبًا بشكل خفي في الخلفية، ولكن مع فوائد ملموسة للمرضى. ومن المثير للاهتمام بشكل خاص مدى انتشار هذه التقنيات الآن في طب الأنف والأذن والحنجرة، حيث ترفع مستوى التشخيص والتوجيه والدقة الجراحية إلى آفاق جديدة.
وفي هذا الصدد، تمكنت هيئة تحرير «ليدينغ ميديسين غايد» من إجراء حوار مع أخصائي طب الأنف والأذن والحنجرة، البروفيسور الدكتور ماركو دومينيكو كافيرساتشيو.
حقوق النشر محفوظة لـ «جاني باوتشييلو، عيادة الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى إنسلسبيتال»
تُستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي في الأبحاث ومعالجة النصوص والمهام المماثلة. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة مجالًا تجاريًّا، ولم يعد مجرد تجربة، ويحقق كبار المزودين أرباحًا كبيرة منه في الوقت الحالي. وفي الوقت نفسه، تتلاشى الحدود بين الذكاء الاصطناعي والواقع والمحتوى الافتراضي بشكل متزايد.
«على الرغم من كل الإمكانيات، يظل التعامل مع الذكاء الاصطناعي أمرًا صعبًا. لا ينبغي الاعتماد عليه بشكل أعمى، لأن العنصر الشخصي مفقود. ففي المحادثة المباشرة تنشأ رؤى أخرى، ونغمات دقيقة، واستفسارات – وهو ما لا تستطيع الآلات استبداله. علاوة على ذلك، ينتشر الكثير من الهراء على الإنترنت، مما يجعل التعامل النقدي مع هذه التكنولوجيا أكثر أهمية. ومن المثير للاهتمام كيف أصبحت التوقعات السابقة نسبية. فقبل حوالي عشرين عامًا، قيل مثلاً إن طب الأشعة سيصبح آليًّا إلى حد كبير بفضل الذكاء الاصطناعي. لكن في الواقع، ارتفع عدد أطباء الأشعة في الولايات المتحدة بنسبة أربعة في المائة. وقد أدى الذكاء الاصطناعي هناك إلى خلق مجالات عمل جديدة بدلاً من استبدال الوظائف. ومع ذلك، تظل التطورات التقنية مثيرة للاهتمام، لا سيما في المجال الطبي. وفي طب الأنف والأذن والحنجرة أيضًا، يطرح السؤال حول كيفية مساعدة الذكاء الاصطناعي في المستقبل – على سبيل المثال، في الكشف المبكر أو الأكثر دقة عن الأورام في منطقة الرأس والرقبة من خلال التعرف على الأنماط في التصوير الطبي أو علم الأمراض. «هناك بالفعل محاولات أولية في هذا الصدد، وما زالت الأبحاث جارية بشكل مكثف»، كما يوضح البروفيسور الدكتور كافيرساتشيو في بداية حوارنا.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل اكتشاف الأورام في منطقة الرأس والرقبة أسرع وأكثر دقة، لأنه يمتلك في عدة مراحل من عملية التشخيص قدرات تتجاوز بكثير ما يمكن للعين البشرية أو طرق التقييم التقليدية تحقيقه. في مجال التصوير الطبي، لا تكتفي نماذج الذكاء الاصطناعي بتحليل صور الأشعة المقطعية (CT) أو التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) أو التصوير بالإصدار البوزيتروني (PET) بشكل سطحي فحسب، بل تقوم بتحليلها رياضيًا نقطةً نقطةً.
«تنطوي هذه البيانات على إمكانات هائلة في مجال الخزعات الرقمية والتعرف على الأنماط، وهي إمكانات تتطور عامًا بعد عام. الهدف هو ربط المعلومات الإشعاعية بالبيانات المرضية من أجل الكشف عن الأورام في مرحلة مبكرة وبشكل أكثر دقة. لو أمكن تحديد الأورام السطحية أو الصغيرة بشكل موثوق في التصوير، فقد تصبح الإجراءات الغازية مثل التنظير الشامل أقل ضرورة في المستقبل. لم يصبح هذا حقيقة واقعة بعد، لكن مجموعات بحثية مختلفة – مثل تلك الموجودة في فورتسبورغ أو هايدلبرغ – تعمل بشكل مكثف على دمج علم الراديوميكس وعلم الباثوميكس وتحليلات البيانات الضخمة. والفكرة وراء ذلك واضحة: فكلما زادت البيانات التي يراها النظام، زادت قدرته على التعرف على الأنماط. وعلى غرار منصات البيانات الضخمة، تتعلم نماذج الذكاء الاصطناعي مع كل فحص جديد. ومع ذلك، لا يزال التطبيق العملي في مرحلته الأولى. فالعديد من المفاهيم مثيرة للإعجاب من الناحية التقنية، لكن الانتقال إلى التطبيق السريري على نطاق واسع يمثل عملية معقدة. فالأورام تختلف اختلافًا كبيرًا عن بعضها البعض، مما يجعل تطوير نماذج عالمية أمرًا صعبًا. في بعض المجالات، مثل تخطيط وتكييف غرسات القوقعة الصناعية، تم إحراز تقدم أكبر بالفعل – حيث يمكن اليوم ربط البيانات التشخيصية والاستراتيجيات الجراحية بشكل أوثق»، يوضح البروفيسور الدكتور كافيرساتشيو.
تمثل الراديوميكس والباثوميكس وتحليلات البيانات الضخمة نهجًا جديدًا في الطب الحديث: فهي تحول بيانات الصور والأنسجة إلى معلومات عالية الدقة وقابلة للتحليل. تستخرج الراديوميكس آلاف السمات من صور الأشعة المقطعية (CT) أو التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) أو التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET)، وتكشف عن أنماط تسمح باستخلاص استنتاجات حول بيولوجيا الورم أو مدى عدوانيته أو استجابته للعلاج. تعمل علم الأمراض (Pathomics) وفقًا لنفس المبدأ، ولكن استنادًا إلى عينات الأنسجة المرقمنة، حيث يتعرف الذكاء الاصطناعي على أدق الهياكل الخلوية والتغيرات. أما تحليلات البيانات الضخمة (Big Data) فتربط هذه المعلومات بالبيانات الجينية ونتائج المختبر والمسارات السريرية. وبذلك تتشكل صورة شاملة من البيانات، تجعل التشخيصات أكثر دقة، وتتيح تخطيط العلاجات بشكل أكثر تخصيصًا، ويمكن أن تساهم على المدى الطويل في تجنب التدخلات الجراحية غير الضرورية.
تُحدث الذكاء الاصطناعي تغييرًا جذريًّا في التخطيط قبل الجراحة في جراحة الأنف والأذن والحنجرة، لأنها قادرة على استخلاص معلومات من البيانات التصويرية المعقدة أكثر بكثير مما يمكن تحقيقه من خلال التفسير البشري البحت.

حقوق النشر محفوظة لـ «جاني باوتشييلو، عيادة الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى إنسلسبيتال»
في العمليات الجراحية التي تُجرى في قاعدة الجمجمة أو الأذن الوسطى، حيث يحدد المليمتر الواحد مستوى الأمان والحفاظ على الوظائف، تقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل الصور الإشعاعية بدقة عالية لدرجة أن أدق الاختلافات التشريحية، أو الهياكل الخطرة، أو المواضع الضيقة المحتملة تصبح مرئية. ونتيجة لذلك، يتم إنشاء نماذج افتراضية تعكس بدقة المسار الفردي للأعصاب والأوعية الدموية أو التجاويف الهوائية، مما يجعل التخطيط أكثر موثوقية بشكل كبير. ويؤدي ذلك إلى زيادة السلامة الجراحية بشكل ملحوظ، خاصة في الأذن الوسطى، حيث تقع عظام السمع والعصب الوجهي والأذن الداخلية قريبة جدًا من بعضها البعض.
ويوضح البروفيسور الدكتور كافيرساتشيو ذلك قائلاً: «يتم اليوم استخدام إجراءات رقمية مختلفة في التخطيط الجراحي، والتي تعتمد بشكل أساسي على التقسيم الدقيق. وبذلك يمكن تصوير هياكل مثل العصب الدهليزي والعصب الوجهي والعصب السمعي بتفصيل – إما بشكل شبه آلي أو آلي بالكامل، حسب النظام المستخدم. ويمكن دمج هذه المعلومات عقليًّا في استراتيجية الجراحة أو إدخالها مباشرةً في نظام الملاحة. وأثناء العملية الجراحية، يمكن عندئذٍ تحديد مدى القرب من الهياكل الحساسة بدقة تصل إلى المليمتر. والشرط الأساسي لذلك هو وجود أنظمة ملاحة عالية الدقة، لأنه بمجرد مغادرة العظم والوصول إلى مناطق متحركة مثل الحيز السائل النخاعي، تنخفض الدقة إلى حوالي مليمترين – وهو عامل يجب أخذه في الاعتبار دائمًا. تُستخدم إجراءات الملاحة والتجزئة هذه بانتظام في الممارسة السريرية اليومية، غالبًا بالتعاون الوثيق مع قسم جراحة الأعصاب. علاوة على ذلك، توجد أدوات مساعدة أخرى مثل نماذج النماذج الأولية السريعة (Rapid Prototyping)، التي تعرض حالات قاعدة الجمجمة المعقدة بشكل ثلاثي الأبعاد وتساعد في اختيار مسار الوصول الأمثل. ورغم أن هذه النماذج لا تُعتبر من تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أنها تسهل التوجيه المكاني بشكل كبير. وبالتوازي مع ذلك، تستمر المفاهيم الرقمية مثل المحاكاة وأنظمة التدريب الافتراضية أو ما يُعرف بـ«التوائم الرقمية» في التطور. فهي تتيح التخطيط المسبق لمسارات الجراحة، وتحديد المخاطر، أو التحكم في الأنظمة الروبوتية بدقة أكبر. قد تتمكن تقنيات الواقع المعزز في المستقبل من عرض معلومات إضافية مباشرةً في مجال رؤية الجراح – على غرار ما يحدث في مقصورات القيادة الحديثة. ويؤدي الرقمنة المتزايدة لبيئة غرفة العمليات إلى توفر المزيد والمزيد من البيانات التي يجب دمجها بشكل فعال: التصوير الطبي، والملاحة، والقيم الفسيولوجية المقاسة، أو تراكبات الواقع المعزز. على الرغم من كل هذه التطورات، يظل الأمر واضحاً: المسؤولية تقع دائماً على عاتق الجراح. يمكن للأنظمة الرقمية أن تدعم وتصور وتحذر – لكنها لا تحل محل الخبرة الجراحية، والفهم التشريحي، واتخاذ القرارات وفقاً للظروف السائدة في غرفة العمليات".
بالنسبة للعديد من الجراحين، قد تشكل التكنولوجيا المتزايدة في غرفة العمليات عبئًا مفرطًا بالفعل. فالجيل الأكبر سنًّا على وجه الخصوص متأثر بشدة بمبدأ «التعلم من خلال الممارسة» – من خلال العينات التشريحية، والخبرة العملية، والفهم المكاني البديهي. تُحدث الأنظمة الرقمية وعمليات المحاكاة والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تغييرًا جذريًا في هذا المجال. ومع ذلك، يظل الأمر واضحًا: لا تزال الجراحة الجيدة تعتمد على المعرفة التشريحية، والقدرة على التصور المكاني، ودقة الحركات الدقيقة. يتمتع بعض الأشخاص برؤية ثلاثية الأبعاد متميزة وحساسية لمسية عالية – وهي مهارات لا يمكن حتى لأحدث التقنيات أن تحل محلها.
«تدعم أنظمة الملاحة اليوم العديد من العمليات الجراحية، لكنها تظل أدوات سلبية. فهي تُظهر المواقع، على غرار جهاز الملاحة في السيارة، لكنها لا تتولى التحكم الفعلي. وستكون الخطوة التالية هي أنظمة مزودة بمستشعرات ومشغلات قادرة على التعرف على الأنسجة وقياس القوى وتقديم ردود فعل – لكن هذه التكنولوجيا لا تزال في مهدها. وبالتوازي مع ذلك، تتطور حلول الواقع المعزز والتصوير أثناء الجراحة وهياكل غرفة العمليات الرقمية، التي توفر المزيد والمزيد من المعلومات داخل غرفة العمليات. ويكمن التحدي في دمج هذه البيانات بطريقة مجدية دون إثقال كاهل الجراح. وفي الوقت نفسه، ينطوي الاعتماد على التكنولوجيا على مخاطر. وكما هو الحال في قيادة السيارات، حيث يصعب على الكثير من الناس تحديد الاتجاهات بدون جهاز الملاحة، يمكن أن تتضاءل الكفاءة الشخصية في مجال الطب أيضًا إذا اعتمد المرء بشكل مفرط على الأجهزة. لذلك تظل التدريبات الجراحية الأساسية مهمة كما هي: فالمعرفة بالتشريح، والتدريبات العملية على النماذج أو العينات الجراحية، وتعلم المهارات اليدوية لا تزال تشكل الأساس. صحيح أن الجيل الشاب ينشأ بطبيعة الحال في عالم رقمي، لكن هذا لا يحل محل ضرورة تدريب العقل والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة. يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التعرف على الأنماط ومقارنة البيانات وتقديم الدعم – لكنها نادرًا ما تبتكر شيئًا جديدًا. تظل الذكاء العاطفي والحدس وحل المشكلات بطريقة إبداعية من نقاط القوة البشرية. ويتجلى ذلك أيضًا في مجالات مثل أبحاث طنين الأذن، حيث لا تستطيع نماذج التعلم الآلي، على الرغم من سنوات طويلة من العمل، استخلاص أنماط موثوقة من بيانات تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، لأن الإحساس الفردي يختلف بشكل كبير. وفي الوقت نفسه، هناك مجالات تتيح فيها الدعم الرقمي تحقيق تقدم كبير بالفعل اليوم: على سبيل المثال في مجال غرسات القوقعة الصناعية، حيث يمكن تنسيق التشخيص والقياسات أثناء الجراحة واستراتيجيات الضبط بعد الجراحة بشكل متزايد الدقة. وهنا تنشأ الطب الشخصي الحقيقي. بشكل عام، تُعد الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي والروبوتات إضافات قيّمة – كدعم، وليس كبديل. وتبقى المسؤولية على عاتق الجراح، الذي يتخذ القرار ويُفسر النتائج ويتصرف"، هكذا قال البروفيسور الدكتور كافيرساتشيو، مضيفًا:
«من خلال طرق القياس الحديثة مثل تحليلات المعاوقة (طرق قياس تُستخدم لقياس المقاومة الكهربائية للأنسجة أو الأقطاب الكهربائية) وقياسات الاستجابة العصبية (طرق تُستخدم للتحقق مما إذا كان العصب السمعي يستجيب للمحفزات الكهربائية) يمكن تقدير القدرة السمعية التي يمكن تحقيقها لاحقًا أثناء عملية زراعة القوقعة الصناعية. تتميز القوقعة ببنية توناتوبية، مما يسهل تصنيف الترددات – من 125 هرتز المنخفضة وصولاً إلى 8 كيلوهرتز. تتيح هذه البنية الحصول على مؤشرات مبكرة حول الأداء الوظيفي اللاحق استناداً إلى البيانات المأخوذة أثناء الجراحة. أما ما إذا كانت الذكاء الاصطناعي تؤدي بشكل عام إلى تقليل المضاعفات، فهذا يعتمد بشكل كبير على مجال التطبيق المعني. ففي بعض المجالات، توجد بالفعل دراسات تُظهر أن التعرف على الأنماط المدعوم بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحديد التشخيصات بدقة أكبر أو تجنب التدخلات الجراحية غير الضرورية. في حالة التهاب الجيوب الأنفية المزمن، على سبيل المثال، قد توفر الأنماط الإشعاعية في المستقبل مؤشرات على أسباب معينة مثل التليف الكيسي، وبالتالي تقصر مسار التشخيص. ويمكن للذكاء الاصطناعي عندئذٍ أن يساعد في تحديد ما إذا كانت الخزعة ضرورية، أو ما هو العلاج المناسب، أو ما إذا كان من الممكن تجنب الجراحة. هذه الأنظمة قادرة على استخلاص اقتراحات من كميات كبيرة من البيانات – مثل الأدوية التي قد تكون مفيدة أو استراتيجية العلاج التي تعد بأكبر فائدة. وبذلك ينشأ إطار إضافي لاتخاذ القرار، يمكنه دعم الممارسة السريرية اليومية دون أن يحل محل المسؤولية الطبية".
توفر أنظمة الملاحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قيمة مضافة واضحة أثناء العمليات التنظيرية للجيوب الأنفية، لأنها لا تعرض بيانات الصور الثابتة فحسب، بل تفسرها بشكل نشط وتقارنها في الوقت الفعلي بالتشريح الفردي للمريض.
«يبدأ التدريب العملي على استخدام التقنيات الجراحية الحديثة بشكل تقليدي باستخدام العينات والنماذج التشريحية. تتوفر أنظمة تدريب خاصة للتدخلات الجراحية مثل تلك التي تُجرى في الجيوب الأنفية، مثل نموذج FACON أو العينات التشريحية، وفقًا لما تنص عليه FMH (Foederatio Medicorum Helveticorum، الاتحاد المهني للأطباء السويسريين). ولا يتم الانتقال التدريجي إلى غرفة العمليات إلا بعد إتقان هذه الأساسيات بشكل جيد. وتُعد أنظمة الملاحة جزءًا من المعايير القياسية هناك منذ أكثر من عشرين عامًا، لكنها تتطلب فهمًا تقنيًّا: يجب التحقق من الدقة بانتظام، ويجب أن يكون المرء قادرًا على تقييم ما إذا كان النظام يعمل بشكل موثوق. ومع تزايد الخبرة، تُضاف أدوات رقمية أخرى – مثل العروض ثلاثية الأبعاد، ورسم الأورام أو الهياكل الحرجة مثل العصب البصري، أو وظائف مثل «Navigator-Control» التي تحمي مناطق معينة. وعادةً ما يتم الوصول إلى هذا المستوى بعد ثلاث إلى أربع سنوات. في حالة الأورام المعقدة، خاصةً في قاعدة الجمجمة، تتعاون عدة تخصصات معًا، مثل جراحة الأعصاب أو جراحة الفك. وهنا أيضًا يلعب التخطيط الرقمي دورًا كبيرًا: ففي عمليات إعادة بناء الفك السفلي، يتم قياس البنية العظمية المطلوبة – غالبًا عظم الشظية – رقميًّا مسبقًا، وتخطيطها، ثم تعديلها بدقة لاحقًا أثناء الجراحة. تسهل أدوات التخطيط والملاحة هذه عملية التوجيه وتزيد من الدقة، لكنها لا تُستخدم مع كل مريض. بعض الإجراءات، مثل التخطيط الرقمي لزراعة عظم الشظية، تغطيها شركات التأمين الصحي، وبالتالي فهي راسخة. أما التقنيات الأخرى، فلا تُستخدم إلا في الحالات المعقدة. «بشكل عام، يتضح جليًّا أن التصوير الطبي والمحاكاة وأدوات التخطيط الرقمية تكتسب أهمية متزايدة وتكمل العمل الجراحي بشكل مفيد»، يوضح البروفيسور الدكتور كافيرساتشيو.
يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة من بيانات التصوير المقطعي المحوسب (CT) والرنين المغناطيسي (MRI)، وتمييز الاختلافات التشريحية، وإبراز المناطق المعرضة للخطر تلقائيًّا. وينتج عن ذلك توجيه أكثر سهولة وأمانًا بشكل ملحوظ داخل غرفة العمليات. أثناء العملية، يكتشف النظام أدنى الانحرافات عن المسار المخطط للأدوات ويحذر مبكرًا من المناطق الحرجة، مما يقلل من حدوث المضاعفات. وفي الوقت نفسه، تتعلم الذكاء الاصطناعي من كميات كبيرة من البيانات كيفية التنبؤ بالمناطق الخطرة النموذجية، وتقوم بتكييف نموذج الملاحة ديناميكيًا مع التغيرات مثل النزيف أو تورم الأغشية المخاطية – وهي ميزة لا توفرها مجموعات البيانات التصويرية الثابتة التقليدية.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسلط الضوء على المخاطر أثناء الجراحة في جراحة الأنف والأذن والحنجرة في وقت أبكر وبشكل أكثر دقة، لأنه يحلل باستمرار العديد من مصادر البيانات أثناء العملية ويستخلص منها مؤشرات على المخاطر المحتملة، التي غالبًا ما لا يمكن للعيان البشري اكتشافها إلا في وقت لاحق.

حقوق النشر «جاني باوتشييلو، عيادة الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى إنسلسبيتال»
في العمليات الجراحية التي تُجرى في قاعدة الجمجمة أو في المنطقة المجاورة مباشرةً للهياكل الحساسة مثل العصب الوجهي، أو العصب القوقعي أو الشريان السباتي الداخلي، تقارن الذكاء الاصطناعي في الوقت الفعلي الموضع الحالي للأداة بالنموذج ثلاثي الأبعاد الذي تم إنشاؤه قبل الجراحة، وتكتشف حتى أدنى الانحرافات عن المسار المخطط. بمجرد اقتراب أداة ما من بنية حرجة، يمكن للنظام إصدار تحذير قبل أن تظهر هذه البنية في الصورة المنظارية أصلاً. وفي الوقت نفسه، تستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد المعالم التشريحية تلقائيًّا أثناء الجراحة – حتى في الحالات التي يصعب فيها تحديد الموقع بسبب النزيف أو تورم الغشاء المخاطي أو انزياح الأنسجة.
«ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا فعليًّا على منع حدوث المضاعفات أم لا، فهذا أمر لا يزال مفتوحًا في الوقت الحالي. في بعض المجالات، تساعد التقنيات الرقمية بالفعل في تقييم المخاطر بشكل أفضل — على سبيل المثال من خلال عمليات التجزئة التلقائية أو شبه التلقائية التي تبرز الأعصاب والأوعية الدموية أو غيرها من الهياكل الحساسة. تساعد هذه الرسومات في التخطيط وتعزز التوجيه داخل غرفة العمليات، لكنها لا تحل محل الخبرة الجراحية. وعلى غرار الجراحة التجميلية، حيث تُستخدم الصور قبل الجراحة لتصور النتائج المحتملة، يمكن للنماذج المدعومة بالذكاء الاصطناعي أيضًا تقديم توقعات. لكن كما هو الحال في جراحة تجميل الأنف، تظل الحقيقة معقدة: فلا يمكن التنبؤ تمامًا بالأنسجة الرخوة وتعبيرات الوجه وعمليات الشفاء الفردية. قد تكون دقة التخطيط 70 أو 80 في المائة – فالدقة المطلقة تكاد تكون مستحيلة. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الإدارة المحيطة بالجراحة، على سبيل المثال في اختيار الأدوية المناسبة أو في تقييم المخاطر. وقد تتمكن مثل هذه الأنظمة في المستقبل من تقديم توصيات استنادًا إلى حالات مشابهة وكميات كبيرة من البيانات. لكن العديد من هذه المقاربات لا تزال في مرحلة «إثبات المفهوم». ويكمن العائق الحاسم في تحويلها إلى منتجات طبية معتمدة. والمتطلبات التنظيمية صارمة: يجب أن تثبت الأنظمة حساسية ونوعية عالية جدًّا قبل الحصول على الاعتماد. وتزداد الأمور تعقيدًا بشكل خاص عند دمج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات – حيث تنطبق هنا لوائح «لائحة الأجهزة الطبية» (MDR) الصارمة الخاصة بالفئة الثالثة. وغالبًا ما تفتقر مثل هذه التطبيقات إلى مجموعات البيانات الضخمة اللازمة للحصول على الترخيص. ولذلك، تظل العديد من نماذج الذكاء الاصطناعي الأولية في مرحلة البحث، بينما لا يجد سوى القليل منها طريقه إلى الممارسة السريرية الروتينية. في المقابل، تنتشر على نطاق واسع الأدوات الرقمية سهلة الاستخدام، والمحاكاة، أو تطبيقات التدريب، لأنها لا تواجه عقبات تنظيمية كبيرة. لكن الأنظمة الحقيقية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي تؤثر على القرارات الجراحية أو تتحكم في الخطوات الجراحية، لا تزال نادرة. يلاحظ البروفيسور الدكتور كافيرساتشيو قائلاً: «تتطور التكنولوجيا بسرعة فائقة، لكن الطريق إلى التطبيق العملي صعب – لا سيما في المجالات شديدة الحساسية مثل جراحة قاعدة الجمجمة، حيث لا غنى عن الدقة القصوى».
ولكي لا تؤدي الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في طب الأنف والأذن والحنجرة إلى الاعتماد المفرط عليها، يجب تحديد دورها في الممارسة السريرية اليومية بوضوح منذ البداية: الدعم نعم، لكن سلطة اتخاذ القرار لا. وتعد الشفافية التقنية والمحتوية نقطة محورية في هذا الصدد.
تلعب الذكاء الاصطناعي دورًا مركزيًا متزايدًا في عمليات زراعة القوقعة الصناعية، لأنها تحسّن كلاً من الدقة التقنية للجراحة والتوقعات السمعية الفردية.

حقوق النشر محفوظة لـ «جاني باوتشييلو، عيادة طب الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى إنسلسبيتال»
«في مجال السماعات السمعية، تلعب الذكاء الاصطناعي دورًا ملحوظًا بالفعل اليوم. يمكن للأنظمة الحديثة تصفية الضوضاء الخلفية بشكل محدد، وإبراز الإشارات الصوتية، وإنشاء ملفات تعريف صوتية فردية بمساعدة الشبكات العصبية. تتكيف الأجهزة مع نغمات الصوت والبيئات وتفضيلات السمع الشخصية – بدءًا من تعزيز ترددات معينة وصولًا إلى تحسين إدراك الموسيقى أو الكلام. يتقدم التطوير بخطى سريعة، وتعمل الصناعة بشكل مكثف على جعل أجهزة السمع ومعالجات الكلام أكثر تخصيصًا. ونظرًا لأن هذه التقنية غير جراحية، فإنها تصل إلى السوق بسرعة نسبيًّا وتوفر لكثير من الناس تحسّنًا ملحوظًا في جودة الحياة. وفي الوقت نفسه، لا تزال هناك تحديات قائمة، مثل حالات الصمم في أذن واحدة أو في مجال أبحاث طنين الأذن. ويُعد طنين الأذن حالة فردية للغاية، مما يجعل تطوير حلول موثوقة مدعومة بالذكاء الاصطناعي أمرًا صعبًا. في حالات الصمم أحادي الجانب، تُستخدم اليوم في كثير من الأحيان أنظمة «كروس أوفر» أو غرسات القوقعة الصناعية، شريطة توفر الشروط اللازمة. لكن يتضح هنا أيضًا أن هناك العديد من الأفكار، والعديد من الدراسات الجارية – إلا أن التنفيذ يظل معقدًا. يُعد الصوت مجالًا بحثيًا نشطًا بشكل خاص. توفر الحبال الصوتية وعلم الصوتيات مؤشرات قيّمة، على سبيل المثال، بشأن مرض السكري أو الأمراض العصبية التنكسية أو التغيرات الورمية المبكرة. وبفضل تقنية الستروبوسكوب وتحليلات الفيديو والتعرف على الأنماط المدعوم بالذكاء الاصطناعي، تظهر إمكانيات تشخيصية جديدة يجري دراستها حاليًا بشكل مكثف. ويفتح الجمع بين التصوير والبيانات الصوتية والتحليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي آفاقًا مثيرة للاهتمام. وبالتوازي مع ذلك، تتطور تقنيات أخرى مثل دمج بيانات التصوير المقطعي المحوسب (CT) والرنين المغناطيسي (MRI)، وعلم الجينوم وعلم الأمراض. كما تظل الروبوتات موضوعًا مهمًا – إلا أن الخطوة الحاسمة لم تتحقق بعد: ذكاء اصطناعي يقترح بشكل مستقل المسار الجراحي الأمثل، ويقيّم المخاطر، ويمنع المضاعفات بشكل موثوق. ويؤكد البروفيسور الدكتور كافيرساتشيو أن «الأمر في الطب أصعب بكثير منه في التطبيقات الصناعية، لأن كل تدخل جراحي على الإنسان ينطوي على متغيرات فردية»، ويختتم حديثنا بالقول:
«لذلك تظل الأنظمة الروبوتية بمثابة أدوات مساعدة، وليست عوامل فاعلة مستقلة. فهي تدعم الجراح وتحد من المخاطر وتزيد من الدقة، لكنها لا تتولى إجراء العمليات بالكامل. المسؤولية تظل تقع على عاتق الإنسان. وفي الوقت نفسه، يغير التحول الرقمي المتزايد طبيعة العمل اليومي: فأنظمة المعلومات والعمليات القياسية وحلول البرمجيات تحدد بشكل متزايد كيفية سير العمليات. وهذا يسهل الكثير من الأمور، لكنه يؤدي أيضًا إلى ضرورة تكيف البشر مع منطق الأنظمة. في عالم يتجه نحو التوحيد القياسي بشكل متزايد، يتزايد خطر أن نصبح نحن أنفسنا «روبوتيين» إلى حد ما. ومع ذلك، يظل الأمر واضحًا: في الطب، يظل الإنسان في مركز الاهتمام – سواء كمريض أو كصانع قرار في غرفة العمليات. يمكن للتكنولوجيا أن تدعم وتنظم وتضفي الدقة، لكنها لا تحل محل خبرة الجراح وحدسه ومسؤوليته".
شكرًا جزيلاً، أستاذ الدكتور كافيرساتشيو، على هذه الرؤى المفيدة حول الذكاء الاصطناعي في مجال طب الأنف والأذن والحنجرة!
مشاركة المقال
عن المؤلف الطبي
ألكسندرا بفيتزمان
محررة
